gocorporation
download
تفسير سورة سبأ - 6
162
عناصر المادة:

يقول عز وجل: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَابالماء والشجر) إلى آخره، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْكل الإضافات، كل نسبة الفعل الآن إلى (نَا) الدالة على العظمة.جَعَلْنَا بَيْنَهُمْالضمير يعود على سبأ، وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَاالقرى جمع قرية وهي البلدة سواء كانت كبيرة أو صغيرة؛ وسميت قرية لأنها تجمع، وما اشتهر عند الناس أن القرية هي المدن الصغار هذا اصطلاح عرفي، وإلَّا فإن الله يقول في أم القرى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: ١٣]، فالقرية اسم للبلد سواء كان كثيرًا أو قليلًا سمي بذلك؛ لأنه يجمع الناس.وقوله: الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، ما هي القرى التي بارك الله فيها؟ قيل: إنها قرى اليمن كصنعاء ونحوها، وقيل: إنها قرى الشام، ولكل من القولين وجه؛ لأن الله سبحانه وتعالى بارك في الشام، وبارك في اليمن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَيَمَنِنِا» ؛ ولهذا اختلف المفسرون؛ هل المراد بالقرى التي بارك الله فيها قرى الشام، أو المراد بالقرى التي بارك الله فيها قرى اليمن؟ أيهما أعظم مِنَّة أن يكون المراد بها قُرَى الشام أو قرى اليمن؟ قرى الشام؛ لبعدها فهم يذهبون إلى الشام ويرجعون منه، فيقول: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً.قال المؤلف: (باركنا فيها بالماء والشجر) يعني: والثمار، (وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة قُرًى ظَاهِرَةًمتواصلة من اليمن إلى الشام) ظَاهِرَةًيعني بينة يُرَى بعضها من بعض؛ لأن القرية إذا كانت بعيدة عن الثانية ما صارت ظاهرة، إذا خرجت من قرية إلى قرية وهي بعيدة منها، هل تكون القرية الثانية ظاهرة لك؟ لا تجد أحد يدلك، لكن إذا كانت متواصلة متقاربة صارت أيش؟ ظاهرة، بادِيَة للعيان، فهذه قرى متواصلة بعضها ببعض من اليمن إلى الشام، والذين قالوا: إن المراد قرى اليمن قال: لأنه لا يُعْلَم أن هناك قرى متصلة من اليمن إلى الشام، وقالوا: إن الواقع يدل على خلاف ذلك وأن المراد بالقرى قرى اليمن، وعلى كل حال لكل واحد من القولين وجه، قال: (قُرًى ظَاهِرَةًمتواصلة من اليمن إلى الشام)، وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَيعني: جعلناه مُقَدَّرًا بمراحل ينزلون من قرية إلى أخرى مرحلة إلى مرحلة، يقول: (قَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَبحيث يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى إلى انتهاء سفرهم ولا يحتاجون فيه إلى حَمْلِ زادٍ وماء) هذا معنى تقدير السير، تقدير السير أنه يكون مقدرًا بمراحل حسب هذه القرى، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى، ثم يقيلون في الثانية، ويبيتون في الأخرى، وهكذا، ولا شك أن تقدير السير على هذا الوجه لا شك أنه من نعمة الله على الناس فإن الخطوط التي ليس فيها مُدن تكون في الغالب طرقًا مهلكة مخيفة، لكن إذا كانت متواصلة صارت أيسر للسالك وأشد طمأنينة، بل وأقرب للسير؛ لأنك إذا مشيت من قرية إلى أخرى تحس أنك قطعت مرحلة، مثل القرآن الكريم الآن لما جُعِل آيات وسورًا وأجزاء صار أسهل للقارئ، الكتاب إذا كان مفصلًا بأبواب وفصول صار أيسر، الطريق أيضًا الحسي طريق الأرض إذا كان فيه القرى متوالية صار أيسر من الطريق الطويل الذي يُمِلُّ الإنسان ولا يرى أنه قطع مرحلة فيه؛ ولهذا قال الله تعالى: وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ.سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَقال المؤلف: (قلنا: سيروا) وعليه، فتكون هذه الجملة في موضع نصب مقولًا لقول محذوف: قلنا: سيروا.وهذا القول شرعيٌّ ولا قدريٌّ؟ قدري يعني أن الله تعالى قال لهم: سيروا في هذه الطرق.فِيهَا لَيَالِيَأي: في هذه القرى (لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَلا تخافون لا في ليل ولا في نهار)، وهذه من نعم الله أنهم يسيرون ليلًا ونهارًا آمنين لا يخافون من أحد، ولا يخافون من تَلَفٍ، ولا من انقطاع ماء، ولا من فَقْدِ طعامٍ، ولكن ماذا صار؟ ما صبروا على هذه النعمة، والعياذ بالله؛ قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَاما شكروا النعمة، وكان عليهم أن يشكروا الله على هذه النعمة ويرتبطوا بها ولكنهم لم يصبروا عليها، حتى سألوا الله أن يباعد بين أسفارهم فتكون الأسفار طويلة ما فيها قرى، وهذا نظير قول أصحاب موسى له: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة: ٦١]، بينما كانوا في الأول يأكلون رَغَدًا من المنِّ والسَّلْوى لا تعب وطعام طَيِّب، لكن لم يصبروا عليه، هؤلاء ما صبروا على هذا، قوم سبأ ما صبروا على هذه النعمة التي هي من أحسن النعم في الأسفار.قالوا: ({رَبَّنَا بَعِّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} وفي قراءة -سبعية يعني- بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَاإلى الشام اجعلها مفاوز) المفاوز جمع مفازة وهي الأراضي التي يُخْشَى فيها من الهلاك، وسمِّيَت مفازة من باب التفاؤل وإلَّا في الحقيقة ما هي مفازة، بل هي هلاك ومهلكة، لكن العرب تُطْلِق الشيء على ضده تفاؤلًا، كما قالوا في الكسير: إنه جبير فهذه أيضًا مثلها، يقول المؤلف في تفسير بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا: (اجعلها مفاوز) لماذا؟ قال: (ليتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل وحَمْلِ الزاد والماء فبَطَروا النعمة)، لما كانت القرى ظاهرة ومتقاربة ولا يحتاج فيها إلى حمل زاد ومزاد صار الأغنياء والفقراء فيها على حَدٍّ سواء، كلٌّ منعم في هذه الطرق، فإذا تَباعَدَت صار ذلك من حظِّ مَنْ؟ الأغنياء، فسألوا الله أن يباعد بين أسفارهم من أجل أن يتطاولوا على فقرائهم، فهؤلاء الأغنياء يركبون الإبل ويحملون ما يشاؤون من الزاد، وأما الفقراء فلا يستطيعون ذلك، هذا هو السبب في أنهم دَعَوُا الله أن يباعد بين أسفارهم.يقول: وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْبماذا؟ إما بالكفر، وإما بدعاء الله سبحانه وتعالى أن يُباعِد بين أسفارهم، فلم يَقْبلوا نعمته لهذه الراحة.(فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَلمن بعدهم في ذلك وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍفرَّقناهم في البلاد كلَّ التفريق إِنَّ فِي ذَلِكَالمذكور لَآيَاتٍعبرًا لِكُلِّ صَبَّارٍعن المعاصي شَكُورٍعن النعم) جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَأحاديث جمع حديث وهو ما يتحدث الناس به؛ يعني أنهم بعد أنهم كانوا موجودين صاروا خبرًا من الأخبار.(...) قصصهم كانت أحاديث للناس يتحدثون بها، تقول: حصل كيت وكيت، وهذا من الأمثال المعروفة: (تفرقوا أيادي سبأ) يعني: أنهم تفرَّقوا كتفرق سبأ.قال الله تعالى: جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَبعد أن كانوا أشياء حقيقية ثابتة صاروا أحاديث، وهذا مِثلُ قول الشاعر:
بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ
مَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍيعني: فَرَّقْنَاهم في البلاد كل مفرق، وشُرِّدُوا وتَشَتَّتُوا؛ لأنهم كفروا النعمة وظلموا أنفسهم.إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍإِنَّ فِي ذَلِكَالإشارة تعود إلى كل ما سبق من هذه القرى الظاهرة وسهولة السفر، ثم سؤالهم أن يُباعِد الله بين أسفارهم، ثم تمزيقهم في البلاد كل ممزق.لَآيَاتٍلعبرًا، كيف قال الآيات وهي قصة واحدة؟ يقول: لأنها قصة واحدة، لكنها تشتمل على أجزاء، كل جزء منها يستحق أن يكون آية.وقوله: لِكُلِّ صَبَّارٍ، صَبَّارٍصيغة مبالغة أي: ذي صبر على البلايا، والصبر في اللغة بمعنى الحبس، وفي الشرع: الحبس عما يَحْرُم عند المصائب.والناس في المصائب لهم أربعة مراتب: مرتبة السخط، ومرتبة الصبر، ومرتبة الرضا، ومرتبة الشكر، وهو أعلاها، التسخط حرام، والصبر واجب، والرضا مستحب على القول الراجح، والشكر كذلك مستحب؛ ولهذا قال هنا: لِكُلِّ صَبَّارٍعلى أي شيء؟ المؤلف بَيَّنها؛ (عن المعاصي)، بل وعلى أقدار الله، بل وعلى أوامر الله، لأن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقدار الله.شَكُورٍأي: قائم بشكر الله؛ بقلبه ولسانه وجوارحه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه، أما كونها آية للصبار فظاهر، وكونها آية للشكور كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا نظر إلى حالهم، وأنهم حينما كان شاكرين لله كان الله قد أنعم عليهم بهذه النعم، فيستدل بها على أن شكر الله موجب لبقاء نعمته على العبد.قال الله عز وجل: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً [سبأ: ١٨] في هذه الآية بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على سبأ؛ حيث جعل القرى ممتدة من اليمن إلى الشام قريبًا بعضها من بعض.وفيها أيضًا: أن الطرق إذا كانت بين قرى متجاورة فهي آمنُ وأقرب إلى السلامة؛ لقوله:سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ.ومن فوائدها: أن السير فيها مُقَدَّر مرحلة مرحلة بين هذه القرى، وتقدير السير كما قلنا من فائدته وهو اللي يتفرع على الفائدة هذه: أن تقدير السير أنشط للمسافر وأسهل له؛ لأنه إذا كان بين القرى تَبَايُنٌ بعيد تَعِبَ المسافر ومَلَّ، لكن إذا سار يقطعها مرحلة مرحلة صار ذلك أنشط له وأهون عليه، وذكرنا أن من هذا تجزئة القرآن ومسائل العلم في الكتب المصنفة حتى يقطعها الإنسان مرحلة مرحلة فيكون ذلك أسهل عليه.وربما نأخذ منها فائدة لمن أراد حفظ القرآن: أن يتحفظه شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض الناس يسرد له ورقة كاملة ثم يرجع يحفظها فيصعب عليه، لكن إذا حفظها آية آية كان هذا أسهل في الغالب.ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمن في الأوطان من أكبر النعم؛ لقوله: لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ، والأمن لا أحد يخفى عليه أنه من أكبر النعم.ثم قال: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا [سبأ: ١٩] في هذا دليل على أن هؤلاء القوم لم يصبروا على هذه النعم، بل طلبوا زوالها وتغييرها، وهل هذا القول باللسان أو بالفعل؟ بمعنى هل قالوا فعلًا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَاأو أنهم لما ظلموا أنفسهم وكفروا صار ذلك سببًا لتباعد ما بين هذه القرى؛ حيث اندمرت وفسدت وخربت؟ الأول هو ظاهر اللفظ، أنهم قالوا ذلك فعلًا فباعد الله بينهم.ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم لما بطروا النعمة وعجزوا عن صبرها أضافوا إلى ذلك ظلمَ أنفسهم بالكفر؛ من قوله: وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ.ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم صاروا أحاديث للناس من بعدهم، وهذا نوع من الخزي والعار -والعياذ بالله- أن يشتهر أمر الإنسان حتى يكون أحدوثة لمن بعده؛ ولهذا قال: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ.ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالاجتماع في قراهم وقبائلهم مُزِّقوا كل ممزق فشُرِّدوا في البلاد وتفرقوا؛ لقوله: وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.ومن فوائدها: أن ما يفعله الله عز وجل بالعصاة والظالمين يكون آية للمعتبرِين سواء كان ضراء فيصبرون أو سراء فيشكرون؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.ومن فوائدها: فضيلة الصبر والشكر؛ الصبر على الضراء، والشكر على الرخاء، والإنسان دائمًا مصاب بهاتين الآفتين؛ إما ضراء وإما سراء، قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥]، والموفَّق مَنْ أعطى كل حال ما يجب لها؛ ففي الضراء يجب عليه الصبر وانتظار الفرج، وليعلم أن الله عز وجل إذا قدر عليه الضراء ليصبر فإن ذلك نعمة من الله عليه، كيف ذلك؟ لأن الصبر -كما نعلم- درجة عالية، ومنزلة الصابرين من أعلى ما يكون من المراتب والمنازل، هذه الدرجة أو المرتبة أو المنزلة إذا لم يكن هناك شيء يُمْتَحن به العبد، فإنه أيش؟ لن ينالها، لا بد من أذى ولا بد من مصائب يصبر عليها الإنسان حتى ينال بذلك درجة الصابرين، وكذلك أيضًا الشكر درجة عالية لا ينالها إلا من وُفِّقَ فإن الإنسان إذا أذاقه الله النعماء من بعد الضراء، فالغالب عليه أنه يفخر ويفرح ويبطر، فإذا انضاف إلى ذلك الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء؛ نال بهذا درجة الصابرين الشاكرين؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» ، وانتظار الفرج معونة على الصبر؛ فإن الإنسان إذا أَيِس ولم ينتظر الفرج ضاقت عليه الدنيا وتضاعفت عليه المصيبة، لكن إذا كان ينتظر الفرج مؤمنًا بذلك هان عليه الأمر.

ثم قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} قال: {صَدَقَ} بالتخفيف والتشديد، {صَدَقَ} بمعنى أيش؟ أخبر بالصدق، وصَدَّقَمَنْ أخبر بالصدق، فالإنسان إما مُخبِر وإما مُخبَر، فالمخبِر نقول: صَدَق، والمُخبَر نقول: صَدَّق، يقول الله عز وجل: {صَدَقَ} وَصَدَّقَ، والقراءاتان هنا تحملان معنى الصِّدْق والتَّصْدِيق، فالفائدة من هاتين القرائتين أنهما تدلان على معنيين يتبين ذلك بشرحهما؛قال: ({صَدَقَ عَلَيْهِمْ} أو صَدَّقَ عَلَيْهِمْأي الكفار منهم سبأ إِبْلِيسُ ظَنَّهُأنهم بإغوائه يتبعونه فَاتَّبَعُوهُ، فصَدَق بالتخفيف في ظنه، أو صَدَّق بالتشديد ظَنَّه أي: وَجَدَه صادقًا).إبليس له ظن في بني آدم ما هو ظنه؟ ظنه أنه يغويهم أجمعين، قال الله تعالى عنه: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقال: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٦، ١٧] هذا ما كان يُؤَمِّله ويرجوه، ويظنه إما ظنًّا راجحًا وإما ظنًّا متيقنًا لكن لا يمكن أن يتيقن وإنما يظنُّ ظنًّا راجحًا، فهنا صدَّق ظنه ويش ظنه؟ الذي كان يقول: إنه سيغويهم فصدَّقه؛ لأنه أغواهم.أو {صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أنه لما ظَنَّ نفذ ما قال فيكون صَدَق حيث أغواهم، والحاصل أن الظنَّ الذي ظنَّه إبليس ما هو؟ إغواؤهم، هذا هو الظن، هذا الظن إما أن يكون بإغوائه إياهم قد صَدَّقه حيث وقع منه أولًا بتطبيقه فعلًا، أو {صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أنه لما ظن ذلك الظن طبَّقه وفعَّله.والمعنى أن ما توقعه الشيطان وظنه من إغواء الكفار ومنهم سبأ وقع مُؤكَّدًا باللام و(قد) والقَسَم.فَاتَّبَعُوهُاتبعوا الشيطان، والشيطان لو نظرنا ما هو الجامع لما يأمر به؟ يأمر بالفحشاء الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨]، فهو يأمر بالفحشاء والمنكر وكلِّ فعلٍ قبيح، فإذا اتبعه الإنسان بالفحشاء والمنكر والفعل القبيح فقد تبعه وضل عنه دوابه، وإن خالفه فقد خالفه؛ ولهذا قال: فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا(إِلَّابمعنى لكن فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَللبيان).قال المؤلف: إِلَّايعني (لكن) إشارة إلى أن الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الاستثناء إذا كان بمعنى (لكن) صار منقطعًا، ولكن الذي حَمَل المؤلف على هذا؛ لأن قوله: صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَظاهره أنه صَدَّق عليهم جميعًا، وعليه فالمؤمنون لم يدخلوا في ذلك فيكون الاستثناء هنا منقطعًا؛ لأن إبليس لم يصدُق الظنَّ إلا على الكفار، أما لو جعلنا صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُعامٌ للقبيلة لكلها أو لبني آدم كلهم ثم قال: إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَلكان هذا الاستثناء متصلًا.والحاصل إذا جعلنا عَلَيْهِمْإذا جعلنا الضمير عائدًا على الكفار الذين اتبعوا إبليس فإن الاستثناء يجب أن يكون هنا منقطعًا، وإن جعلناه عامًّا لبني آدم أو جنس هذه القبيلة (سبأ) صار الاستثناء متصلًا.وقوله: إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَالمؤلف يقول رحمه الله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَللبيان) كيف للبيان؟ يعني مِنَبيانية وليست تَبْعِيضِيَّة؛ لأنها لو كانت للتبعيض لكان المعنى إلا فريقًا من المؤمنين نجا منه وفريق آخر لم ينجُ، وهذا المعنى فاسد، وعلى هذا فتكون (مِن) للبيان.إِلَّا فَرِيقًامَن هؤلاء الفريق؟ المؤمنون قال المؤلف: (أي هم المؤمنون لم يتبعوه) انتبه إلى هذا المعنى الدقيق المؤلف رحمه الله جيد في.. أقول مرة ثانية: إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَإذا قلت: جاء فريق من القوم، كلهم جاؤوا ولَّا لا؟ لا، فـ(من) للتبعيض، إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَإذا جعلنا (من) للتبعيض كما في قولك: جاء فريق من القوم، إذا جعلناها للتبعيض فسد المعنى؛ لأن المؤمنين كلهم لم يتبعوه، ولهذا احتاج المؤلف أن يجعل (من) بيانية، وتكون (المؤمنون) بيانًا لقوله: فَرِيقًا، كأنه قال فاتبعوه إلا المؤمنين هذا معنى الآية.(وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍتسليط) وَمَا كَانَ لَهُالضمير يعود على إبليس، عَلَيْهِمْأي: على القوم الذين أغواهم، مِنْ سُلْطَانٍمِنْزائدة لفظًا لا معنى، وسُلْطَانٍاسم كان مُؤَخَّر؛ أي: ما كان له سلطان عليهم، والمراد بالسلطان هنا التسلط أو التسليط؛ ولهذا قال: تسليط، فهي إذن اسم مصدر، وليس المراد بها السلطان الذي هو المعنى. المعنى ما كان للشيطان عليهم تسليط إِلَّا لِنَعْلَمَ، وعلى تقدير المؤلف أن سلطان بمعنى تسليط يكون الاستثناء متصلًا؛ أي: ما جعلنا للشيطان تسليطًا عليهم إلا لنعلم، وإذا جعلنا السطان بمعنى التسلط أو القدرة فالاستثناء يكون منقطعًا أي: ما كان له عليهم سلطة لكن لنعلم مَنْ يتبعه إلى آخره.وقوله إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْاللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟ يحتمل أن تكون للتعليل أو للعاقبة، وعلى كلا التقديرين فيها إشكال؛ الإشكال هو أن ظاهرها تَجَدُّد علم الله، ومعلوم أن علم الله أزليٌّ أبدي أي قديم مستمر، لا بد أن يستمر، فكيف صحَّ أن تكون اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟يقول المؤلف في تفسيرها: (علم ظهور)؛ وذلك لأن تَعَلُّق علم الله بالشيء له حالان:الحال الأولى: قبل وجوده.والحال الثانية: بعد وجوده. فتعلق علم الله به بعد الوجود يُسَمَّى علم ظهور أي: علمه بعد أن ظهر وبان، وعلم الله تعالى قبل وجوده عِلْمُ تَقْدِير أي أنه قَدَّر أن يكون، وعلم التقدير ثابت بلا شك، فإن الله لن يزل ولا يزال عالمًا بكل ما يكون.انتبه إذا قلنا: إن العلم علمُ تقديرٍ وعلم ظهور زال الإشكال، وصار علم الله للشيء بعد وقوعه بأنه ظهر ووقع، وعلم الله قبل وقوعه علمًا بأنه سيقع، وفرق بين المتعلقين.وقيل إن المراد بالعلم هنا: العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وذلك لا يكون إلا بعد الامتحان، فإن علم الله تعالى بالشيء قبل أن يقع علم لا يترتب عليه لا ثواب ولا عقاب؛ لأن المكلف لم يؤمر ولم ينهَ، فإذا أُمِر ففعل أو أُمِر فلم يفعل حينئذ صار مثابًا أو معاقبًا، كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢] وعلى هذا الوجه يكون علم الله تعالى علمين:علم معناه أن الله تعالى عالم بأن هذا الشيء سيقع، ولكن لا يترتب عليه الثواب والعقاب.وعلم يترتب عليه الثواب والعقاب، وذلك لا يكون إلا بعد امتحان المكلف به وهل يَفْعَل أو لا يَفْعَل؛ يعني: هل يمتثل أو لا يمتثل؟ فتبين أن في هذه المسألة التي ظاهرها تجدد علم الله أن عنها جوابين:الجواب الأول.. مَنْ يعرف الجواب الأول؟ العلم الذي يَتَبَيَّن به الخفيُّ؛ لأن الأمر لم يزل ولا يزال أمام الله سبحانه واضحًا ظاهرًا.قال: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّهنا ضُمِّنَت نَعْلَمَمعنى (نُمَيِّز)، ولهذا قال: مِمَّنْ هُوَيعني: إلا لنُمَيِّز مَن يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. والناس بالنسبة للآخرة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:قسم آمنوا بها.وقسم كفروا بها وأنكروا.وقسم في شكٍّ وتردُّد.الذين آمنوا بها أمرهم واضح، والذين كفروا بها وقالوا: وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء: ٤٩] هذا لا يمكن، هذا أيضًا أمرهم واضح، والذين تردَّدوا قالوا: يمكن أن تكون حقًّا ويمكن أن تكون باطلًا، بأي القسمين يلحقون بالكافر ولا بالمؤمن؟ بالكافر نعم؛ لأن الواجب أن يؤمن؛ ولهذا قال عز وجل: مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّفكيف ممن هو منها مُنْكِرًا وجاحدًا ومكذِّبًا؟ فالله عز وجل جعل للشيطان سُلْطَة على بني آدم؛ لأجل أن يمتحن هؤلاء الناس فيعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، الذي في شك من الآخرة يَتْبَع من؟ يتبع الشيطان قطعًا؛ لأنه لا يؤمن بأن هناك يومًا آخر يثاب الناس فيه ويعاقَبون، فهو يري أن لنفسه الحرية المطلقة، وهي في الحقيقة حرية من شيء وَرِقٌّ في شيء، قال ابن القيم رحمه الله:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ...........................
ما هو الرق الذي خُلِقْنا له؟ العبودية لله عز وجل.
..................... وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
نسأل الله العافية؛ لأنهم صاروا عبيدًا لأنفسهم وشياطينهم، فلا يمكن أن يتحرر الإنسان من عبادة الله على زعمه إلا كان رقيقًا لغيره للنفس والشيطان، والحاصل أن هؤلاء الذين كانوا في شك من الآخرة لا يمكن أن يعملوا ولا أن يقوموا بطاعة الله؛ ذلك لأن الذي يقوم بطاعة هو الذي يؤمن بأنه سوف يُحْشَر ويثاب أو يعاقب.قال: (مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّفنجازي كُلًّا منهما وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) الجملة خبرية تفيد معنى ولازمَ ذلك المعنى؛ فهي خبرية تفيد أن الله على كل شيء حفيظ أي: مراقب ومُطَّلِع ومُهَيْمِنٌ على كل شيء، سواء كان ذلك مما يتعلق بفعله أو مما يتعلق بفعل الخَلْق، فهو جل وعلا رقيب على كل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هذا المعنى يستلزم معنى آخر وهو التحذير من المخالفة، لأن الإنسان متى عَلِم أن الله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء خاف ولم يخالف، أما إذا كان في شك من هذا فإنه يعمل كما يشاء.قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِقُلِقال: (يا محمد لكفار مكة) فهنا المؤلف جعل الخطاب خاصًّا من وجهين: من جهة المخاطَب ومن جهة المدعوِّ؛ المخاطب قال: (قُلِيا محمد) والمدعو (كفار مكة)، ولكن هذا غير مُسَلَّم للمؤلف أو للمفسر، بل نقول: إن (قل) يمكن أن تكون موجهة لك مَنْ يتوجه الخطاب إليه من الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره ممن وَرِثه في أمته؛ أي: قل أيها الناس، أما بالنسبة للمدعوِّين فنقول: الأصح أنه عام لكل مَنْ دَعا مع الله غيرَه من كفار مكة وغيرهم.وهكذا يجب أن يكون لدينا قاعدة وهو: (أنه إذا دار الأمر أن يكون الخطاب خاصًّا أو عامًّا وجب أن يكون عامًّا)؛ لأن العام يدخل فيه الخاص ولا عكس، وكلما كان معنى القرآن أوسع كان أوجه.إذن نقول: قل أيها المخاطب ممن تدعو إلى الله، قل للذين يدعون مع الله غيره: ادعوا الذين زعمتم، (ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْأي: زعمتموهم آلهة) ادعوهم، هل المراد بالدعاء هنا دعاء المسألة أو دعاء الإحضار؟ ادعوهم أي أحضروهم، أو دعاء المسألة؛ يعني: اسألوهم اطلبوا منهم الحوائج هل يستجيبون لكم أم لا؟ نعم، يحتمل المعنيين، يحتمل المعنى: أحضروهم لنناقشهم، أو ادعوهم دعاء مسألة؛ يعني: اسألوهم، كما تقول: ادعُ الله، أي: اسأله.وقول المؤلف: (أي زعمتموهم آلهة)، شوف ماذا قدَّر المؤلف؟ قدَّر ضميرًا واسمًا ظاهرًا؛ الضمير زعمتموهم (هم)، هذا الضمير، والاسم الظاهر: (آلهة)، فأفادنا رحمه الله بأن (زعم) تنصب مفعولين، وأن المفعولين محذوفان، وتقدير الكلام زعمتموهم آلهة؛ لأن (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر فهي من أخوات ظن، مِنْ دُونِ اللَّهِقال: (من غيره لينفعوكم بزعمكم).

ليس المراد جَنَّتَيْنِ يعني بستانَيْنِ واحد يمين وواحد يسار، المراد بساتين، لكن قال العلماء: لما كانت هذه البساتين متصلة صارت كأنها بستان واحد، ولَّا معلوم لو كان بستان وبستان ما هي بآية، يعني بسيطة هذه، لكنها بساتين متصل بعضها ببعض على يمين الوادي وشمال الوادي، فلما كان متصلًا بعضها ببعض صارت كأنها واحدة، كأنها جنة واحدة عن اليمين وجنة واحدة عن الشمال.
الفوائد:
قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَإلى آخره.
من فوائد هذه الآية: أولًا: أن الموت غاية كل حي وإن عظم ملكُه، فإن سليمان كان من أعظم الملوك ملكًا، ومع ذلك لم ينقذه ملكه من الموت.
ومنها: أن الأمور كلها إلى الله؛ لقوله: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالعظمة والجلال والكمال؛ لأن (نَا) هنا ليست للتعدد ولكنها للتعظيم، لأن كلمة (نا) تدل إمَّا على التعدد، وإما على التعظيم، والتعدد هنا ممتنع فيتعيَّن أن تكون للتعظيم.
ومنها: أن الشيئ الحقير قد يَفْعَل شيئًا عظيمًا كبيرًا؛ يؤخذ من قوله: مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ، وهذا شيء جرت به سنة الله عز وجل أن الشيء قد يكون حقيرًا لكن يترتب عليه أمر عظيم، فنحن الآن لا نعرف كيف نَقْبِر موتانا إلا بدلالة الغراب، أليس كذلك؟ أيضًا جميع المباني الهندسية الفخمة الجميلة عُرِفَت من صنيع النحل، أيضًا كل ما حدث من الآلات التي يُحْدِثها الناس الآن تجدهم يشبهونها بمخلوقات الله عز وجل كالطائرات وغيرها، بهذا نعرف أن الأشياء الحقيرة قد تكون مفيدة للإنسان فائدة عظيمة ويترتب عليها أمور خطيرة.
ومنها: أن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة؛ لقوله: مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِفأضاف الدلالة إلى دابة الأرض، مع أن الدابة هل هي أكلت العصا لأجل أن تدل الجن على موت سليمان؟ لا، لكنها سبب، فإضافة الشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائزة حتى وإن لم يُذْكَر فيها لفظ الجلالة، فمثلًا إذا قلت: لولا فلانٌ لهلكت، وصحيح أن فلانًا هو الذي أنقذك، فهذا جائز إذا لم تعتقد أن هذا السبب هو الفاعل الوحيد، والممنوع أن تضيف الشيء إلى سببه مع الله مقرونًا بالواو أو تضيف الشيء إلى سبب غير معلوم سببيته لا من الشرع ولا من الحس؛ لأن هذا يكون من باب الأوهام والتخييلات.
ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير من دابة الأرض ولَّا لا؟ إي نعم، ما دام تأكل الأخشاب وتأكل هذه الأشياء فاحذر منها، وكم من إنسان أفسدت عليه دابة الأرض مكتبته القيِّمَة التي تساوي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتبهوا، لا تأكل الأرضة عليكم كتبَكم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة الفعل أو إضافة الشيء إلى مَنْ لم يقم به باختياره؛ لقوله: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ، فالخرور قد يُضاف إلى الفاعل بالاختيار، وقد يضاف إلى الفاعل بغير الاختيار، فتقول: خرَّ الماء، وتقول: خَرَّ ميِّتًا، وقال الله عز وجل: خَرُّوا سُجَّدًا [السجدة: ١٥]، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ [الإسراء: ١٠٩]، هذا بالاختيار.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن لا يعلمون الغيب، والدلالة على ذلك واضحة؛ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.
ومنها: أن الأمور الحسية الواقعة أدلة برهانيَّة، وهذه الفائدة معناها الاستدلال بالأمور الحسية؛ لأن الله استدل على كونهم لا يعلمون الغيب بأنهم بقوا مُعَذَّبين مما يعملونه من الأعمال الشاقة، فلك أن تستدل على الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، وهذا شيء معروف.
ومن فوائد الآية: أن الجن ذو عقول؛ لقوله: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّوهو كذلك، لأن الله تعالى أعطاهم عقولًا يهتدون بها إلى مصالح دينهم ودنياهم.
ومنها: تسمية الأعمال الشاقة عذابًا؛ لقوله: مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِمع أن سليمان عليه الصلاة والسلام لم يجعلهم يعملون له ما يشاء عقوبة لهم ولكنه تكليف، وبهذا نعرف أن العذاب قد يُطْلَق على ما ليس بعقوبة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» .
وقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْإلى آخره فيها دليل على استعمال التأكيد في الأمور الهامة، وإن لم يكن المخاطب مُنْكِرًا أو مترددًا، تؤخذ من تأكيد هذه القصة في قوله: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ؛ لأن التأكيد -كما نعلم- إنما يجب في مخاطبة المنكر، ويحسُن في مخاطبة المتردد، ويكون على خلاف البلاغة فيما عدا ذلك، هذا هو المعروف عند علماء البلاغة، ولكن بتأمل ما ورد في القرآن الكريم نجد أن الأمور الهامة -وإن خوطب بها من لا ينكرها أو يتردد فيها- نجد أن الله تعالى يؤكدها كما في هذه القصة وغيرها.
ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة الدالة على قدرة الله وحكمته، وهي قصتهم على سبيل العموم أنهم مُنَعَّمُون في ديارهم وبساتينهم وقصورهم وغير ذلك، فلما أعرضوا انقلبت الحال، ففيها عبرة، فيها آية من وجوه كثيرة آية دالة على قدرة الله، آية يعني: عبرة لمن عصى الله عز وجل، عبرة لمن أطاع الله، أية دالة على حكمة الله، فبالتأمل لهذه الآية تجد فيها أصنافًا وأنواعًا من الآيات، طيب الآن شرحنا هذه الآيات قلنا: آية دالة على قدرة الله؛ حيث خلق لهم هذه البساتين العظيمة ثم أبدلها بأخرى لا تساويها بشيء، دالة على أيش؟ على حكمته عز وجل؛ حيث أعطاهم ذلك الخير حين كانوا مُقْبِلين على الله، وسلَبَهُم إياه حين أعرضوا واستكبروا عن طاعته، آية للمعتبرين من أهل المعاصي؛ فإن فيها تحذيرًا لهم من أن تزول نعمة الله عليهم بسبب معاصيهم، آية للطائعين حيث يعتبرون بها بأنهم ما داموا على طاعة الله فإن نعمة الله تدور عليهم، هذه أربعة أوجه من كونها آية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الجنات تُؤْتِي أُكُلَها على وجه واسع؛ لقوله: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: وجوب الشكر لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَاشْكُرُوا لَهُ، والشكر واجب عقلًا كما هو واجب شرعًا؛ أما وجوبه الشرعي فالآيات في الأمر به كثيرة، وأما وجوبه العقلي فلأن العقل الصريح يقتضي أن كل من أحسن إليك فإنك تشكره على ذلك، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، يعني: كل أحد يرى أنه من الخطأ أن يسدي إليك إنسان ما يسدى من الخير، ثم تَتَنكر له ولا تقوم بشكره كل يعرف أن هذا خطأ، وأن الواجب أن تشكر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن بلاد الله تنقسم إلى طيب وخبيث؛ لقوله: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، وما نوع الطيب في هذه البلدة؟ هل هو طيب الأرض، أو طيب الهوى، أو طيب الثمار؟ الجواب: يَعُمُّ كل ذلك؛ قال الله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ [الأعراف: ٥٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ربوبية الله عز وجل ومغفرته؛ في قوله: وَرَبٌّ غَفُورٌ.
ثم قال الله عز وجل فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [سبأ: ١٦] إلى آخره.
من فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء القوم أنهم بدَّلوا نعمة الله كفرًا، وكان الله عليهم أن أنعم الله عليهم بهذه النعم أن يشكروه ويقوموا بطاعة الله، لكنهم أعرضوا.
ومن فوائدها: عقوبة المعرضين بما تقتضيه حكمة الله، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت: ٤٠]، فالعقوبات دائمًا تكون من جنس العمل، فهؤلاء لما بطروا نعمة الله وكفروا به بسبب هذه الجنات أُبْدِلُوا بجنات سيئة بالنسبة لما نُعِّمُوا به من قبل.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا، فجعل الله تعالى سبب الإرسال إعراضهم.
ومن فوائدها: أن المعاصي سبب لزوال النعم؛ لقوله: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا، بينما كانوا مُنَعَّمين، لما أعرضوا أرسل الله عليهم هذا السيل المدمر، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة؛ منها قوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢]، ومنها قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٦ - ٩٩].
ومن فوائدها: أن المطر الذي هو نعمة ورحمة قد يكون نِقْمَة وعذابًا؛ لقوله هنا: سَيْلَ الْعَرِمِ، فإن السيل في الأصل -الذي هو إجتماع المطر حتى يتدفق- الأصل أنه خير، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ [السجدة: ٢٧] وهذا خير ولَّا لا؟ خير، ولكن أحيانًا يكون عذابًا.
ومن فوائدها: بيان ضلال أولئك القوم الذين إذا أصابتهم مثل هذه المصائب من الفيضانات وما أشبهها لم يتأثروا لذلك، ويقولون: هذا مقتضى الطبيعة، فإن هذه الفيضانات التي تُدَمِّر إنما هي عقوبة من الله عز وجل عقوبة ليبتلي بها أولئك المعذبين ويرتدع بها من كان على شاكلتهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإرسال هذه السيول الجارفة التي أغرقت ثمارهم وزروعهم ونبت بعد هذه الثمار والزروع نبت خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ، ما هو سدر، شيء من سدر قليل، فبدل تلك الجنات العظيمة صار هذا حل محلها.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في أن الله عز وجل جعل بدل الجنتين جنتين أُخْرَيَيْنِ؛ لأن الطاعة نور وصلاح وفلاح فيناسبها الجزاء بالعطاء، والمعصية ظلمة وفساد فناسبها أن يكون فيها هذا البَدَل السيئ بالنسبة لما قبله.
ثم قال تعالى: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: ١٧] ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوافي هذا دليل على أن الله عز وجل لا يُجازِي أحدًا بعقوبة إلا بفعله؛ لقوله: بِمَا كَفَرُوا.
وفيها أيضًا: إثبات الأسباب؛ لأن الباء هنا للسببية.
وفيها: الفرق بين (يجزي) و(يجازي)؛ فهنا قال: هَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ، لكن (نجزي) في الثواب، و(نجازي) في العقاب، هكذا قال بعض العلماء فتقول للكافر: جازاك الله، وتقول للمسلم: جزاك الله، ففي الخير نقول: جزى، وفي الشر نقول: جازى؛ ووجه ذلك أن الخير عطاء محض، وأما العقوبة فهي مجازاة ومكافأة؛ ولهذا نقول: جازاه، يصاغ الفعل على صيغة المفاعلة، والمفاعلة تكون في الأصل من طرفين.

تفسير الآيتين (18-19)
00:20:30

يقول عز وجل: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَابالماء والشجر) إلى آخره، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْكل الإضافات، كل نسبة الفعل الآن إلى (نَا) الدالة على العظمة.
جَعَلْنَا بَيْنَهُمْالضمير يعود على سبأ، وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَاالقرى جمع قرية وهي البلدة سواء كانت كبيرة أو صغيرة؛ وسميت قرية لأنها تجمع، وما اشتهر عند الناس أن القرية هي المدن الصغار هذا اصطلاح عرفي، وإلَّا فإن الله يقول في أم القرى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: ١٣]، فالقرية اسم للبلد سواء كان كثيرًا أو قليلًا سمي بذلك؛ لأنه يجمع الناس.
وقوله: الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، ما هي القرى التي بارك الله فيها؟ قيل: إنها قرى اليمن كصنعاء ونحوها، وقيل: إنها قرى الشام، ولكل من القولين وجه؛ لأن الله سبحانه وتعالى بارك في الشام، وبارك في اليمن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَيَمَنِنِا» ؛ ولهذا اختلف المفسرون؛ هل المراد بالقرى التي بارك الله فيها قرى الشام، أو المراد بالقرى التي بارك الله فيها قرى اليمن؟ أيهما أعظم مِنَّة أن يكون المراد بها قُرَى الشام أو قرى اليمن؟ قرى الشام؛ لبعدها فهم يذهبون إلى الشام ويرجعون منه، فيقول: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً.
قال المؤلف: (باركنا فيها بالماء والشجر) يعني: والثمار، (وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة قُرًى ظَاهِرَةًمتواصلة من اليمن إلى الشام) ظَاهِرَةًيعني بينة يُرَى بعضها من بعض؛ لأن القرية إذا كانت بعيدة عن الثانية ما صارت ظاهرة، إذا خرجت من قرية إلى قرية وهي بعيدة منها، هل تكون القرية الثانية ظاهرة لك؟ لا تجد أحد يدلك، لكن إذا كانت متواصلة متقاربة صارت أيش؟ ظاهرة، بادِيَة للعيان، فهذه قرى متواصلة بعضها ببعض من اليمن إلى الشام، والذين قالوا: إن المراد قرى اليمن قال: لأنه لا يُعْلَم أن هناك قرى متصلة من اليمن إلى الشام، وقالوا: إن الواقع يدل على خلاف ذلك وأن المراد بالقرى قرى اليمن، وعلى كل حال لكل واحد من القولين وجه، قال: (قُرًى ظَاهِرَةًمتواصلة من اليمن إلى الشام)، وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَيعني: جعلناه مُقَدَّرًا بمراحل ينزلون من قرية إلى أخرى مرحلة إلى مرحلة، يقول: (قَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَبحيث يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى إلى انتهاء سفرهم ولا يحتاجون فيه إلى حَمْلِ زادٍ وماء) هذا معنى تقدير السير، تقدير السير أنه يكون مقدرًا بمراحل حسب هذه القرى، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى، ثم يقيلون في الثانية، ويبيتون في الأخرى، وهكذا، ولا شك أن تقدير السير على هذا الوجه لا شك أنه من نعمة الله على الناس فإن الخطوط التي ليس فيها مُدن تكون في الغالب طرقًا مهلكة مخيفة، لكن إذا كانت متواصلة صارت أيسر للسالك وأشد طمأنينة، بل وأقرب للسير؛ لأنك إذا مشيت من قرية إلى أخرى تحس أنك قطعت مرحلة، مثل القرآن الكريم الآن لما جُعِل آيات وسورًا وأجزاء صار أسهل للقارئ، الكتاب إذا كان مفصلًا بأبواب وفصول صار أيسر، الطريق أيضًا الحسي طريق الأرض إذا كان فيه القرى متوالية صار أيسر من الطريق الطويل الذي يُمِلُّ الإنسان ولا يرى أنه قطع مرحلة فيه؛ ولهذا قال الله تعالى: وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ.
سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَقال المؤلف: (قلنا: سيروا) وعليه، فتكون هذه الجملة في موضع نصب مقولًا لقول محذوف: قلنا: سيروا.
وهذا القول شرعيٌّ ولا قدريٌّ؟ قدري يعني أن الله تعالى قال لهم: سيروا في هذه الطرق.
فِيهَا لَيَالِيَأي: في هذه القرى (لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَلا تخافون لا في ليل ولا في نهار)، وهذه من نعم الله أنهم يسيرون ليلًا ونهارًا آمنين لا يخافون من أحد، ولا يخافون من تَلَفٍ، ولا من انقطاع ماء، ولا من فَقْدِ طعامٍ، ولكن ماذا صار؟ ما صبروا على هذه النعمة، والعياذ بالله؛ قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَاما شكروا النعمة، وكان عليهم أن يشكروا الله على هذه النعمة ويرتبطوا بها ولكنهم لم يصبروا عليها، حتى سألوا الله أن يباعد بين أسفارهم فتكون الأسفار طويلة ما فيها قرى، وهذا نظير قول أصحاب موسى له: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة: ٦١]، بينما كانوا في الأول يأكلون رَغَدًا من المنِّ والسَّلْوى لا تعب وطعام طَيِّب، لكن لم يصبروا عليه، هؤلاء ما صبروا على هذا، قوم سبأ ما صبروا على هذه النعمة التي هي من أحسن النعم في الأسفار.
قالوا: ({رَبَّنَا بَعِّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} وفي قراءة -سبعية يعني- بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَاإلى الشام اجعلها مفاوز) المفاوز جمع مفازة وهي الأراضي التي يُخْشَى فيها من الهلاك، وسمِّيَت مفازة من باب التفاؤل وإلَّا في الحقيقة ما هي مفازة، بل هي هلاك ومهلكة، لكن العرب تُطْلِق الشيء على ضده تفاؤلًا، كما قالوا في الكسير: إنه جبير فهذه أيضًا مثلها، يقول المؤلف في تفسير بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا: (اجعلها مفاوز) لماذا؟ قال: (ليتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل وحَمْلِ الزاد والماء فبَطَروا النعمة)، لما كانت القرى ظاهرة ومتقاربة ولا يحتاج فيها إلى حمل زاد ومزاد صار الأغنياء والفقراء فيها على حَدٍّ سواء، كلٌّ منعم في هذه الطرق، فإذا تَباعَدَت صار ذلك من حظِّ مَنْ؟ الأغنياء، فسألوا الله أن يباعد بين أسفارهم من أجل أن يتطاولوا على فقرائهم، فهؤلاء الأغنياء يركبون الإبل ويحملون ما يشاؤون من الزاد، وأما الفقراء فلا يستطيعون ذلك، هذا هو السبب في أنهم دَعَوُا الله أن يباعد بين أسفارهم.
يقول: وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْبماذا؟ إما بالكفر، وإما بدعاء الله سبحانه وتعالى أن يُباعِد بين أسفارهم، فلم يَقْبلوا نعمته لهذه الراحة.
(فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَلمن بعدهم في ذلك وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍفرَّقناهم في البلاد كلَّ التفريق إِنَّ فِي ذَلِكَالمذكور لَآيَاتٍعبرًا لِكُلِّ صَبَّارٍعن المعاصي شَكُورٍعن النعم) جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَأحاديث جمع حديث وهو ما يتحدث الناس به؛ يعني أنهم بعد أنهم كانوا موجودين صاروا خبرًا من الأخبار.
(...) قصصهم كانت أحاديث للناس يتحدثون بها، تقول: حصل كيت وكيت، وهذا من الأمثال المعروفة: (تفرقوا أيادي سبأ) يعني: أنهم تفرَّقوا كتفرق سبأ.
قال الله تعالى: جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَبعد أن كانوا أشياء حقيقية ثابتة صاروا أحاديث، وهذا مِثلُ قول الشاعر:
بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ

مَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍيعني: فَرَّقْنَاهم في البلاد كل مفرق، وشُرِّدُوا وتَشَتَّتُوا؛ لأنهم كفروا النعمة وظلموا أنفسهم.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍإِنَّ فِي ذَلِكَالإشارة تعود إلى كل ما سبق من هذه القرى الظاهرة وسهولة السفر، ثم سؤالهم أن يُباعِد الله بين أسفارهم، ثم تمزيقهم في البلاد كل ممزق.
لَآيَاتٍلعبرًا، كيف قال الآيات وهي قصة واحدة؟ يقول: لأنها قصة واحدة، لكنها تشتمل على أجزاء، كل جزء منها يستحق أن يكون آية.
وقوله: لِكُلِّ صَبَّارٍ، صَبَّارٍصيغة مبالغة أي: ذي صبر على البلايا، والصبر في اللغة بمعنى الحبس، وفي الشرع: الحبس عما يَحْرُم عند المصائب.
والناس في المصائب لهم أربعة مراتب: مرتبة السخط، ومرتبة الصبر، ومرتبة الرضا، ومرتبة الشكر، وهو أعلاها، التسخط حرام، والصبر واجب، والرضا مستحب على القول الراجح، والشكر كذلك مستحب؛ ولهذا قال هنا: لِكُلِّ صَبَّارٍعلى أي شيء؟ المؤلف بَيَّنها؛ (عن المعاصي)، بل وعلى أقدار الله، بل وعلى أوامر الله، لأن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقدار الله.
شَكُورٍأي: قائم بشكر الله؛ بقلبه ولسانه وجوارحه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه، أما كونها آية للصبار فظاهر، وكونها آية للشكور كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا نظر إلى حالهم، وأنهم حينما كان شاكرين لله كان الله قد أنعم عليهم بهذه النعم، فيستدل بها على أن شكر الله موجب لبقاء نعمته على العبد.
قال الله عز وجل: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً [سبأ: ١٨] في هذه الآية بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على سبأ؛ حيث جعل القرى ممتدة من اليمن إلى الشام قريبًا بعضها من بعض.
وفيها أيضًا: أن الطرق إذا كانت بين قرى متجاورة فهي آمنُ وأقرب إلى السلامة؛ لقوله:سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ.
ومن فوائدها: أن السير فيها مُقَدَّر مرحلة مرحلة بين هذه القرى، وتقدير السير كما قلنا من فائدته وهو اللي يتفرع على الفائدة هذه: أن تقدير السير أنشط للمسافر وأسهل له؛ لأنه إذا كان بين القرى تَبَايُنٌ بعيد تَعِبَ المسافر ومَلَّ، لكن إذا سار يقطعها مرحلة مرحلة صار ذلك أنشط له وأهون عليه، وذكرنا أن من هذا تجزئة القرآن ومسائل العلم في الكتب المصنفة حتى يقطعها الإنسان مرحلة مرحلة فيكون ذلك أسهل عليه.
وربما نأخذ منها فائدة لمن أراد حفظ القرآن: أن يتحفظه شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض الناس يسرد له ورقة كاملة ثم يرجع يحفظها فيصعب عليه، لكن إذا حفظها آية آية كان هذا أسهل في الغالب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمن في الأوطان من أكبر النعم؛ لقوله: لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ، والأمن لا أحد يخفى عليه أنه من أكبر النعم.
ثم قال: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا [سبأ: ١٩] في هذا دليل على أن هؤلاء القوم لم يصبروا على هذه النعم، بل طلبوا زوالها وتغييرها، وهل هذا القول باللسان أو بالفعل؟ بمعنى هل قالوا فعلًا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَاأو أنهم لما ظلموا أنفسهم وكفروا صار ذلك سببًا لتباعد ما بين هذه القرى؛ حيث اندمرت وفسدت وخربت؟ الأول هو ظاهر اللفظ، أنهم قالوا ذلك فعلًا فباعد الله بينهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم لما بطروا النعمة وعجزوا عن صبرها أضافوا إلى ذلك ظلمَ أنفسهم بالكفر؛ من قوله: وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ.
ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم صاروا أحاديث للناس من بعدهم، وهذا نوع من الخزي والعار -والعياذ بالله- أن يشتهر أمر الإنسان حتى يكون أحدوثة لمن بعده؛ ولهذا قال: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ.
ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالاجتماع في قراهم وقبائلهم مُزِّقوا كل ممزق فشُرِّدوا في البلاد وتفرقوا؛ لقوله: وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.
ومن فوائدها: أن ما يفعله الله عز وجل بالعصاة والظالمين يكون آية للمعتبرِين سواء كان ضراء فيصبرون أو سراء فيشكرون؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.
ومن فوائدها: فضيلة الصبر والشكر؛ الصبر على الضراء، والشكر على الرخاء، والإنسان دائمًا مصاب بهاتين الآفتين؛ إما ضراء وإما سراء، قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥]، والموفَّق مَنْ أعطى كل حال ما يجب لها؛ ففي الضراء يجب عليه الصبر وانتظار الفرج، وليعلم أن الله عز وجل إذا قدر عليه الضراء ليصبر فإن ذلك نعمة من الله عليه، كيف ذلك؟ لأن الصبر -كما نعلم- درجة عالية، ومنزلة الصابرين من أعلى ما يكون من المراتب والمنازل، هذه الدرجة أو المرتبة أو المنزلة إذا لم يكن هناك شيء يُمْتَحن به العبد، فإنه أيش؟ لن ينالها، لا بد من أذى ولا بد من مصائب يصبر عليها الإنسان حتى ينال بذلك درجة الصابرين، وكذلك أيضًا الشكر درجة عالية لا ينالها إلا من وُفِّقَ فإن الإنسان إذا أذاقه الله النعماء من بعد الضراء، فالغالب عليه أنه يفخر ويفرح ويبطر، فإذا انضاف إلى ذلك الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء؛ نال بهذا درجة الصابرين الشاكرين؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» ، وانتظار الفرج معونة على الصبر؛ فإن الإنسان إذا أَيِس ولم ينتظر الفرج ضاقت عليه الدنيا وتضاعفت عليه المصيبة، لكن إذا كان ينتظر الفرج مؤمنًا بذلك هان عليه الأمر.
تفسير الآيات (20-23)
00:41:59

ثم قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} قال: {صَدَقَ} بالتخفيف والتشديد، {صَدَقَ} بمعنى أيش؟ أخبر بالصدق، وصَدَّقَمَنْ أخبر بالصدق، فالإنسان إما مُخبِر وإما مُخبَر، فالمخبِر نقول: صَدَق، والمُخبَر نقول: صَدَّق، يقول الله عز وجل: {صَدَقَ} وَصَدَّقَ، والقراءاتان هنا تحملان معنى الصِّدْق والتَّصْدِيق، فالفائدة من هاتين القرائتين أنهما تدلان على معنيين يتبين ذلك بشرحهما؛
قال: ({صَدَقَ عَلَيْهِمْ} أو صَدَّقَ عَلَيْهِمْأي الكفار منهم سبأ إِبْلِيسُ ظَنَّهُأنهم بإغوائه يتبعونه فَاتَّبَعُوهُ، فصَدَق بالتخفيف في ظنه، أو صَدَّق بالتشديد ظَنَّه أي: وَجَدَه صادقًا).
إبليس له ظن في بني آدم ما هو ظنه؟ ظنه أنه يغويهم أجمعين، قال الله تعالى عنه: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقال: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٦، ١٧] هذا ما كان يُؤَمِّله ويرجوه، ويظنه إما ظنًّا راجحًا وإما ظنًّا متيقنًا لكن لا يمكن أن يتيقن وإنما يظنُّ ظنًّا راجحًا، فهنا صدَّق ظنه ويش ظنه؟ الذي كان يقول: إنه سيغويهم فصدَّقه؛ لأنه أغواهم.
أو {صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أنه لما ظَنَّ نفذ ما قال فيكون صَدَق حيث أغواهم، والحاصل أن الظنَّ الذي ظنَّه إبليس ما هو؟ إغواؤهم، هذا هو الظن، هذا الظن إما أن يكون بإغوائه إياهم قد صَدَّقه حيث وقع منه أولًا بتطبيقه فعلًا، أو {صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أنه لما ظن ذلك الظن طبَّقه وفعَّله.
والمعنى أن ما توقعه الشيطان وظنه من إغواء الكفار ومنهم سبأ وقع مُؤكَّدًا باللام و(قد) والقَسَم.
فَاتَّبَعُوهُاتبعوا الشيطان، والشيطان لو نظرنا ما هو الجامع لما يأمر به؟ يأمر بالفحشاء الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨]، فهو يأمر بالفحشاء والمنكر وكلِّ فعلٍ قبيح، فإذا اتبعه الإنسان بالفحشاء والمنكر والفعل القبيح فقد تبعه وضل عنه دوابه، وإن خالفه فقد خالفه؛ ولهذا قال: فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا(إِلَّابمعنى لكن فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَللبيان).
قال المؤلف: إِلَّايعني (لكن) إشارة إلى أن الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الاستثناء إذا كان بمعنى (لكن) صار منقطعًا، ولكن الذي حَمَل المؤلف على هذا؛ لأن قوله: صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَظاهره أنه صَدَّق عليهم جميعًا، وعليه فالمؤمنون لم يدخلوا في ذلك فيكون الاستثناء هنا منقطعًا؛ لأن إبليس لم يصدُق الظنَّ إلا على الكفار، أما لو جعلنا صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُعامٌ للقبيلة لكلها أو لبني آدم كلهم ثم قال: إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَلكان هذا الاستثناء متصلًا.
والحاصل إذا جعلنا عَلَيْهِمْإذا جعلنا الضمير عائدًا على الكفار الذين اتبعوا إبليس فإن الاستثناء يجب أن يكون هنا منقطعًا، وإن جعلناه عامًّا لبني آدم أو جنس هذه القبيلة (سبأ) صار الاستثناء متصلًا.
وقوله: إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَالمؤلف يقول رحمه الله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَللبيان) كيف للبيان؟ يعني مِنَبيانية وليست تَبْعِيضِيَّة؛ لأنها لو كانت للتبعيض لكان المعنى إلا فريقًا من المؤمنين نجا منه وفريق آخر لم ينجُ، وهذا المعنى فاسد، وعلى هذا فتكون (مِن) للبيان.
إِلَّا فَرِيقًامَن هؤلاء الفريق؟ المؤمنون قال المؤلف: (أي هم المؤمنون لم يتبعوه) انتبه إلى هذا المعنى الدقيق المؤلف رحمه الله جيد في.. أقول مرة ثانية: إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَإذا قلت: جاء فريق من القوم، كلهم جاؤوا ولَّا لا؟ لا، فـ(من) للتبعيض، إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَإذا جعلنا (من) للتبعيض كما في قولك: جاء فريق من القوم، إذا جعلناها للتبعيض فسد المعنى؛ لأن المؤمنين كلهم لم يتبعوه، ولهذا احتاج المؤلف أن يجعل (من) بيانية، وتكون (المؤمنون) بيانًا لقوله: فَرِيقًا، كأنه قال فاتبعوه إلا المؤمنين هذا معنى الآية.
(وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍتسليط) وَمَا كَانَ لَهُالضمير يعود على إبليس، عَلَيْهِمْأي: على القوم الذين أغواهم، مِنْ سُلْطَانٍمِنْزائدة لفظًا لا معنى، وسُلْطَانٍاسم كان مُؤَخَّر؛ أي: ما كان له سلطان عليهم، والمراد بالسلطان هنا التسلط أو التسليط؛ ولهذا قال: تسليط، فهي إذن اسم مصدر، وليس المراد بها السلطان الذي هو المعنى. المعنى ما كان للشيطان عليهم تسليط إِلَّا لِنَعْلَمَ، وعلى تقدير المؤلف أن سلطان بمعنى تسليط يكون الاستثناء متصلًا؛ أي: ما جعلنا للشيطان تسليطًا عليهم إلا لنعلم، وإذا جعلنا السطان بمعنى التسلط أو القدرة فالاستثناء يكون منقطعًا أي: ما كان له عليهم سلطة لكن لنعلم مَنْ يتبعه إلى آخره.
وقوله إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْاللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟ يحتمل أن تكون للتعليل أو للعاقبة، وعلى كلا التقديرين فيها إشكال؛ الإشكال هو أن ظاهرها تَجَدُّد علم الله، ومعلوم أن علم الله أزليٌّ أبدي أي قديم مستمر، لا بد أن يستمر، فكيف صحَّ أن تكون اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟
يقول المؤلف في تفسيرها: (علم ظهور)؛ وذلك لأن تَعَلُّق علم الله بالشيء له حالان:
الحال الأولى: قبل وجوده.
والحال الثانية: بعد وجوده. فتعلق علم الله به بعد الوجود يُسَمَّى علم ظهور أي: علمه بعد أن ظهر وبان، وعلم الله تعالى قبل وجوده عِلْمُ تَقْدِير أي أنه قَدَّر أن يكون، وعلم التقدير ثابت بلا شك، فإن الله لن يزل ولا يزال عالمًا بكل ما يكون.
انتبه إذا قلنا: إن العلم علمُ تقديرٍ وعلم ظهور زال الإشكال، وصار علم الله للشيء بعد وقوعه بأنه ظهر ووقع، وعلم الله قبل وقوعه علمًا بأنه سيقع، وفرق بين المتعلقين.
وقيل إن المراد بالعلم هنا: العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وذلك لا يكون إلا بعد الامتحان، فإن علم الله تعالى بالشيء قبل أن يقع علم لا يترتب عليه لا ثواب ولا عقاب؛ لأن المكلف لم يؤمر ولم ينهَ، فإذا أُمِر ففعل أو أُمِر فلم يفعل حينئذ صار مثابًا أو معاقبًا، كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢] وعلى هذا الوجه يكون علم الله تعالى علمين:
علم معناه أن الله تعالى عالم بأن هذا الشيء سيقع، ولكن لا يترتب عليه الثواب والعقاب.
وعلم يترتب عليه الثواب والعقاب، وذلك لا يكون إلا بعد امتحان المكلف به وهل يَفْعَل أو لا يَفْعَل؛ يعني: هل يمتثل أو لا يمتثل؟ فتبين أن في هذه المسألة التي ظاهرها تجدد علم الله أن عنها جوابين:
الجواب الأول.. مَنْ يعرف الجواب الأول؟ العلم الذي يَتَبَيَّن به الخفيُّ؛ لأن الأمر لم يزل ولا يزال أمام الله سبحانه واضحًا ظاهرًا.
قال: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّهنا ضُمِّنَت نَعْلَمَمعنى (نُمَيِّز)، ولهذا قال: مِمَّنْ هُوَيعني: إلا لنُمَيِّز مَن يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. والناس بالنسبة للآخرة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم آمنوا بها.
وقسم كفروا بها وأنكروا.
وقسم في شكٍّ وتردُّد.
الذين آمنوا بها أمرهم واضح، والذين كفروا بها وقالوا: وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء: ٤٩] هذا لا يمكن، هذا أيضًا أمرهم واضح، والذين تردَّدوا قالوا: يمكن أن تكون حقًّا ويمكن أن تكون باطلًا، بأي القسمين يلحقون بالكافر ولا بالمؤمن؟ بالكافر نعم؛ لأن الواجب أن يؤمن؛ ولهذا قال عز وجل: مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّفكيف ممن هو منها مُنْكِرًا وجاحدًا ومكذِّبًا؟ فالله عز وجل جعل للشيطان سُلْطَة على بني آدم؛ لأجل أن يمتحن هؤلاء الناس فيعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، الذي في شك من الآخرة يَتْبَع من؟ يتبع الشيطان قطعًا؛ لأنه لا يؤمن بأن هناك يومًا آخر يثاب الناس فيه ويعاقَبون، فهو يري أن لنفسه الحرية المطلقة، وهي في الحقيقة حرية من شيء وَرِقٌّ في شيء، قال ابن القيم رحمه الله:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ...........................

ما هو الرق الذي خُلِقْنا له؟ العبودية لله عز وجل.
..................... وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ

نسأل الله العافية؛ لأنهم صاروا عبيدًا لأنفسهم وشياطينهم، فلا يمكن أن يتحرر الإنسان من عبادة الله على زعمه إلا كان رقيقًا لغيره للنفس والشيطان، والحاصل أن هؤلاء الذين كانوا في شك من الآخرة لا يمكن أن يعملوا ولا أن يقوموا بطاعة الله؛ ذلك لأن الذي يقوم بطاعة هو الذي يؤمن بأنه سوف يُحْشَر ويثاب أو يعاقب.
قال: (مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّفنجازي كُلًّا منهما وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) الجملة خبرية تفيد معنى ولازمَ ذلك المعنى؛ فهي خبرية تفيد أن الله على كل شيء حفيظ أي: مراقب ومُطَّلِع ومُهَيْمِنٌ على كل شيء، سواء كان ذلك مما يتعلق بفعله أو مما يتعلق بفعل الخَلْق، فهو جل وعلا رقيب على كل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هذا المعنى يستلزم معنى آخر وهو التحذير من المخالفة، لأن الإنسان متى عَلِم أن الله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء خاف ولم يخالف، أما إذا كان في شك من هذا فإنه يعمل كما يشاء.
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِقُلِقال: (يا محمد لكفار مكة) فهنا المؤلف جعل الخطاب خاصًّا من وجهين: من جهة المخاطَب ومن جهة المدعوِّ؛ المخاطب قال: (قُلِيا محمد) والمدعو (كفار مكة)، ولكن هذا غير مُسَلَّم للمؤلف أو للمفسر، بل نقول: إن (قل) يمكن أن تكون موجهة لك مَنْ يتوجه الخطاب إليه من الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره ممن وَرِثه في أمته؛ أي: قل أيها الناس، أما بالنسبة للمدعوِّين فنقول: الأصح أنه عام لكل مَنْ دَعا مع الله غيرَه من كفار مكة وغيرهم.
وهكذا يجب أن يكون لدينا قاعدة وهو: (أنه إذا دار الأمر أن يكون الخطاب خاصًّا أو عامًّا وجب أن يكون عامًّا)؛ لأن العام يدخل فيه الخاص ولا عكس، وكلما كان معنى القرآن أوسع كان أوجه.
إذن نقول: قل أيها المخاطب ممن تدعو إلى الله، قل للذين يدعون مع الله غيره: ادعوا الذين زعمتم، (ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْأي: زعمتموهم آلهة) ادعوهم، هل المراد بالدعاء هنا دعاء المسألة أو دعاء الإحضار؟ ادعوهم أي أحضروهم، أو دعاء المسألة؛ يعني: اسألوهم اطلبوا منهم الحوائج هل يستجيبون لكم أم لا؟ نعم، يحتمل المعنيين، يحتمل المعنى: أحضروهم لنناقشهم، أو ادعوهم دعاء مسألة؛ يعني: اسألوهم، كما تقول: ادعُ الله، أي: اسأله.
وقول المؤلف: (أي زعمتموهم آلهة)، شوف ماذا قدَّر المؤلف؟ قدَّر ضميرًا واسمًا ظاهرًا؛ الضمير زعمتموهم (هم)، هذا الضمير، والاسم الظاهر: (آلهة)، فأفادنا رحمه الله بأن (زعم) تنصب مفعولين، وأن المفعولين محذوفان، وتقدير الكلام زعمتموهم آلهة؛ لأن (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر فهي من أخوات ظن، مِنْ دُونِ اللَّهِقال: (من غيره لينفعوكم بزعمكم).